ابن حبان
79
روضة العقلاء
أمّا بعد : فإنّ الزّمان قد تبيّن للعاقل تغيّره ، ولاح للّبيب تبدّله ، حيث يبس ضرعه بعد الغزارة ، وذبل فرعه بعد النّضارة « 1 » ، وقحل « 2 » عوده بعد الرّطوبة ، وبشع مذاقه بعد العذوبة ، فنبغ فيه أقوام يدّعون التّمكّن من العقل باستعمال ضدّ ما يوجب العقل من شهوات صدورهم ، وترك ما يوجبه نفس العقل بهجسات قلوبهم ، جعلوا أساس العقل الّذي يعتمدون « 3 » عليه عند المعضلات : النّفاق والمداهنة . وفروعه عند ورود النّائبات : حسن اللّباس والفصاحة . وزعموا أنّ من أحكم هذه الأشياء الأربع « 4 » فهو العاقل ، الّذي يجب الاقتداء به ، ومن تخلّف عنها « 5 » فهو الأنوك « 6 » ، الّذي يجب الازورار « 7 » [ 387 / أ ] عنه . فلمّا رأيت الرّعاع « 8 » من العالم يغترّون بأفعالهم ، والهمج « 9 » من النّاس يقتدون بأمثالهم ، دعاني ذلك إلى تصنيف كتاب خفيف ، يشتمل تضمّنه « 10 » على معنى لطيف ، ممّا يحتاج إليه العقلاء في أيّامهم ، من معرفة الأحوال [ في أوقاتهم ] ، ليكون كالتّذكرة لذوي الحجى « 11 » عند حضرتهم ، وكالمعين لأولي النّهى « 12 » عند
--> ( 1 ) النضارة : الحسن . ( 2 ) في المطبوع : ( ونحل ) . ( 3 ) في المطبوع : ( يعقدون ) . ( 4 ) كتب الناسخ على الهامش : ( الأربعة ) . ولكن لم يشطب على : ( الأربع ) . ( 5 ) في المطبوع : ( ومن تخلف عن إحكامها ) . ( 6 ) الأنوك : الأحمق . ( 7 ) الازورار : الانقباض والتباعد . ( 8 ) الرعاع : الجهلة والدهماء . ( 9 ) الهمج : الحمقى . ( 10 ) في المطبوع : ( متضمّنه ) . ( 11 ) الحجى - بالكسر مقصورا - : العقل . ( 12 ) النّهى : جمع نهية - بالضم - وهي : العقل أيضا .